الشيخ فاضل اللنكراني

404

دراسات في الأصول

نعم ، يمكن أن يقال بأنّ تنجيس النجس الراجع إلى سببيّته لنجاسة الملاقي يكون مجعولا شرعا ، بناء على ما هو الحقّ من إمكان جعل السببيّة ، وأمّا السراية التكوينيّة فقد لا تكون متحقّقة ، كما لا يخفى . ويستفاد من كلام الشيخ رحمه اللّه أنّ معنى الاجتناب عن النجس هو الاجتناب عنه وعمّا يلاقيه . وقد يستدلّ لذلك بقوله تعالى : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ « 1 » ؛ لأنّ هجر النجاسات لا يتحقّق إلّا بهجر ملاقيها . وقد يستدلّ برواية جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه أتاه رجل ، فقال له : وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت ، فما ترى في أكله ؟ فقال : أبو جعفر عليه السّلام « لا تأكله » فقال الرجل : الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : « إنّك لم تستخفّ بالفأرة ، إنّما استخففت بدينك ، إنّ اللّه حرّم الميتة من كلّ شيء » « 2 » . وجه الدلالة أنّه عليه السّلام جعل ترك الاجتناب عن الطعام استخفافا بتحريم الميتة ، ولولا استلزامه لتحريم ملاقيه لم يكن أكل الطعام استخفافا بتحريم الميتة ، فوجوب الاجتناب عن شيء يستلزم وجوب الاجتناب عن ملاقيه . أقول : أمّا قوله تعالى : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فنمنع أوّلا أن يكون المراد بالرّجز هي الأعيان النجسة ، ونمنع ثانيا كون المراد بالهجر هو هجره وهجر ما يلاقيه . وأما الرواية فمضافا إلى ضعف سندها لا بدّ من ملاحظة أمرين فيها : الأوّل : أنّ حمل الحرمة في قوله : « إنّ اللّه حرّم الميتة من كلّ شيء » على النجاسة مضافا إلى أنّه خلاف الظاهر لا شاهد عليه ، بل معناها حرمة أكل

--> ( 1 ) المدّثر : 5 . ( 2 ) الوسائل 1 : 206 ، الباب 5 من أبواب الماء المضاف ، الحديث 2 .